مقالات هيكل فى المصرى اليوم عن الثورة المصرية " مبارك يعاند التاريخ "

اذهب الى الأسفل

مقالات هيكل فى المصرى اليوم عن الثورة المصرية " مبارك يعاند التاريخ "

مُساهمة  Admin في الخميس 3 فبراير 2011 - 12:30

المقال الأول بتاريخ 2 / 2 / 2011
هيكل: مبارك يعاند التاريخ

حوار مجدى الجلاد ونشوى الحوفى وعلاء الغطريفى ٢/ ٢/ ٢٠١١
كعادته.. يرقب الأحداث عن كثب، ولكنه تلك المرة يتابع ويحلل فى قلق، تدهشه ثورة الشباب وقدرته على أن يكون فاعلاً - على حد قوله - تزعجه ردة فعل النظام وبطؤه فى التجاوب مع مطالب مشروعة، ورغم وصفه الرئيس مبارك بالعنيد، إلا أنه يحذر من عدم قراءة التاريخ والاستجابة له بشكل صحيح.

يؤكد أن الجيش المصرى مؤسسة خلقت أنظمة وليس العكس. يتعجب من اختطاف النظام لمصر كلها عبر حرب إلكترونية عزل فيها البلاد عن كل العالم من أجل إخماد ثورة.

يتوسل للرئيس ألا يضع الجيش فى مواجهة مع الشعب حتى لا تنزلق مصر لمنعطف يعصف بالمنطقة بأسرها. يفسر عنف الشرطة ضد المتظاهرين بأنه يحدث فى كل بلاد العالم ولكنه لا يجد تفسيراً لغيابها التام لمدة ٤٨ ساعة إلا أنها غابت بقرار وعادت بقرار مؤكداً ضرورة المحاكمة السياسية للمسؤول عن ذلك.

الحوار مع هيكل تلك المرة لا يأتى من رغبة فى استماع لكاتب يمتلك الرؤية والمعلومات وحسب، ولكنه يأتى من باب العظة والتحذير وتحديد خارطة الطريق للخروج من منعطف خطير فى تاريخ الوطن. وفيما يلى نص الحوار الذى انفردت به «المصرى اليوم» مع الكاتب محمد حسنين هيكل أمس الأول فى مكتبه.

■ قلت فى حوار سابق لك منذ فترة إن هذا النظام يتداعى، ولكن هل يمتلك الآن أى فرص أخرى؟

- لا أعتقد أن هذا النظام بتركيبته الحالية يمتلك أى فرصة، لكن دعنا أولاً نعرف معنى كلمة النظام، لأنك حينما تتكلم عن النظام فأنت لا تتكلم عن البلد، ولكن على وضع السلطة، ولكن هل الجيش جزء من هذا النظام؟ الإجابة: بالطبع لا، الجيش جزء من الدولة وليس جزءاً من النظام الحاكم فى هذه اللحظة الفارقة فى تاريخ البلاد، وتلك نقطة مهمة جداً فى رأيى لأن الحكم بهذه الطريقة الموجودة لم يعد له مستقبل، وكان واضحاً منذ البداية أن الحكم الحالى مات من الناحية التاريخية، وتم شله سياسياً، ومنذ أيام انتهى تماماً ولم يعد به نفس، لم يعد به أى شىء، هل شاهدت تشكيل الوزارة الجديدة؟ مع احترامى لكل من فيها، لكنها ليست وزارة أزمة، كنت أتصور أن يكون الحكم فى هذه اللحظة التاريخية جاداً ومدركاً لعمق الأزمة. ولو كنت مكانه لأتيت بأقوى وزارة فى مصر، بأقوى ما يمكن لمواجهة الأزمة، لكن الحقيقة الأكيدة أن كل الناس القادرين اعتذروا، وحتى أحسن الموجودين لديك فى النظام اعتذروا، وللأسف الشديد عندك بقايا أشياء أضفت لها بقايا أشياء، وأعتقد، مع احترامى لكل الموجودين، أن هذه الوزارة أضعف من أن تواجه هذه اللحظة الفارقة فى تاريخ مصر، ولذا فحينما نتحدث عن النظام أرجوك أن تفرق بين الدولة والنظام، الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة الباقية والمستمرة، الجهاز الحكومى جزء من مؤسسة الدولة الباقية والمستمرة، البوليس جزء من مؤسسة الدولة الباقية والمستمرة. أما السلطة السياسية فقضية أخرى، السلطة السياسية قد يأتى بها حزب أو تأتى بها انتخابات، لكنها تدخل على الدولة لكى تسيّر أجهزتها، ولهذا فأجهزة الدولة باقية لكن الجهة المكلفة بتسييرها فى هذه اللحظة من التاريخ غير موجودة، وهذا جزء كبير من هذه الأزمة التى تلحظها الآن وكل الناس يرونها، مؤسسات الدولة موجودة بما فيها البوليس، وينبغى ألا يظلمه أحد، ولكن القدرة الخاصة بتسيير تلك المؤسسات غير موجودة لأننى أعتقد أنها أصيبت بالشلل.

■ بدراستك لسيكولوجية الرئيس مبارك إلى أين يمكن أن يذهب فى تلك اللحظة الفارقة؟

- لست خبيراً فى هذا الموضوع، لكن مشكلة الرئيس مبارك بحق ودون الخوض فى الماضى، أنه رجل يعاند ومعروف أن صفة العند واحدة من أبرز خصاله، وأعرف أنه حدث ذات مرة أن حاول أحد أقرب أعوانه إقناعه بقبول ترشيح شخص محدد، وأخذ يعدد له مميزاته العلمية والفكرية ومنها أنه حاصل على أكثر من دكتوراه فى تخصصه، فنظر إليه الرئيس مبارك وقال له: «أنا عندى دكتوراه فى العند»، وبالنسبة لى كنت أتمنى ألا يعاند مبارك الآن، ولكن للأسف الشديد غلبت عليه صفة العند، والكارثة أنه فى هذه المرة بالتحديد لا يعاند مع فرد أو مع حزب أو طائفة أو جماعة، لكنه يعاند التاريخ، ولا يوجد من هو قادر على معاندة التاريخ، تستطيع أن تعارض من تشاء من أشخاص، ولكن عندما تواجه التاريخ لابد أن تتجاوب معه، وعندما يسألك التاريخ سؤالاً لابد أن ترد على السؤال.

■ باعتبارها إحدى مؤسسات الدولة الكبرى، هل تمر المؤسسة العسكرية المصرية اليوم فى مفترق طرق بين الشعب والرئيس مبارك؟

- مؤسسة الجيش فى مصر لها وضع خاص وتلعب دوراً معيناً، وهذه المؤسسة كانت موجودة باستمرار على مدار تاريخ مصر، وهى صانعة النظم ولم تصنعها النظم، تعاقبت العصور لكنها كانت فى مصر باستمرار، بسبب طبيعة الموقع لأن مصر بلد عبارة عن واد وسط الصحراء، آمن من الغارات الداخلية والخارجية وكان الجيش موجوداً من عهد مينا موحد القطرين، منذ أن نشأت لأول مرة فكرة الدولة، طوال الوقت والقوات المسلحة تلعب دوراً فى هذا البلد، ولذا فهذه المؤسسة ليست من صنع النظام بل من صنع تاريخ وطبيعة هذا البلد، ولا أتصور أن يستعملها أى شخص ضد الشعب، ولم يحدث حتى اليوم فى تاريخ هذه المؤسسة أن استخدمت كأداة ضدك، حتى لو لم تكن فى وقت من الأوقات فى طلائع التقدم، بمعنى أن محمد على أسس الدولة الحديثة بجيش، وأول ثورة فى مصر الحديثة كانت ثورة عرابى وقادتها القوات المسلحة التى قامت أيضاً بثورة ٢٣ يوليو عام ١٩٥٢، كانت القوات المسلحة موجودة فى فترات فارقة من حياة مصر، هى من خاضت حرب أكتوبر وحققت يوم ٦ أكتوبر نصراً رائعاً وينسب إليها هذا النصر لا لفرد، ببساطة أقول إن الجيش المصرى نابع من قلب هذا البلد ومن ناسه ومن طبيعته، ولا يمكن أن نقول إنه من صنع النظام الحالى ولا أى نظام سبقه، هذه المؤسسة من صنع مصر وجزء لا يتجزأ من تاريخها.

■ يرى البعض أن الدفاع عن الرئيس مبارك الآن جزء من الدفاع عن شرعية المؤسسة العسكرية المصرية؟

- لا أعتقد ذلك، فالرئيس مبارك منذ ترك المؤسسة العسكرية وصار نائباً للرئيس السادات دخل فى النظام الحاكم فى ذلك الوقت وترك المؤسسة العسكرية، والدليل على ما أقول أنه لا يمكننى القول إن المؤسسة العسكرية هى من اغتالت الرئيس السادات رغم أن ضباطاً بالقوات المسلحة هم من اغتالوه، ولذا لا أحد يقول إن المؤسسة هى من اغتالته فالمؤسسة بريئة من هذا تماماً، وهناك فارق بين المؤسسة وفرد المؤسسة، والرئيس مبارك، حتى وقت قريب، كان رئيساً للدولة وكان موجوداً فى السلطة ولم يكن هناك أى تحد واضح لشرعيته، والمؤسسة العسكرية لها دورها الذى عليها القيام به، وهنا يتبادر السؤال: ما الفارق بين المؤسسة العسكرية والشرطة؟ أقول لك إن المؤسسة العسكرية هى رمز لسيادة هذا الوطن، هى مؤسسة السيادة التى تحمى حدوده وتحمى الشرعية، أما البوليس فمهمته تنفيذ أوامر الحكم والسلطة القائمة، المؤسسة العسكرية مسؤولة بالدستور، والشرطة مسؤولة بالقانون، وهذا هو الفارق بين الاثنين، والجيش المصرى فى مفترق طرق فى هذه المرحلة وليس من حق أى من كان، أن يصدر للقوات المسلحة أوامر يكون فيها ولاؤها للبلد موضع شك، من الممكن أن تعلن حالة الطوارئ، وتشارك فى الحفاظ على منشآت البلد وثرواته، هذا دور مقبول للقوات المسلحة، ولكن ليس من مهام القوات المسلحة أن تقيم أو تسقط وزارة، ولا أن تقيم نظاماً أو تسقطه، فهذا ليس من مهامها، هى تحمى الشرعية الناشئة عن إرادة الشعب، والمشكلة الحادثة لديك اليوم أن هناك انفصالاً بين السلطة وإرادة الشعب، والسلطة حاولت استخدام أدواتها من خلال الدفع بقوات الشرطة لفرض وجهة نظرها، ولكن لم يفدها ذلك، فلجأت للقوة المسؤولة عن السيادة وعن رموزها وعن أمنها القومى، وتريد اليوم أن تقحمها فى قضية الأمن الداخلى، وهذا اختبار لا ينبغى لأى أحد أن يضع فيه الجيش، هناك فارق بين حماية وطن وقهر شعبه، والقوات المسلحة فى اعتقادى لن تقدم على قهر الشعب، والسبب ببساطة أنها لو قهرت الشعب ستفقد قاعدتها ومهمتها فى حماية الأمن القومى وهذا لا يمكن، وفى يوم ٢٣ يوليو ١٩٥٢ ذهب نجيب الهلالى إلى الملك فاروق الذى أخبره بأن الإنجليز يعدونه بمساعدته لو أراد البقاء فى حكم مصر، فقال له الهلالى: «مولاى الملك أرجوك ألا تستعين بقوات أجنبية ولا تأمر الجيش بالتصدى لأى أحد»، وهو ما حدث، ولم يطلق أحد طلقة رصاص باستثناء بعض قوات الحرس الملكى التى أطلقت رصاصة فى الهواء لإبراء ذمتها، وأنا أتوسل لمبارك ألا يضع جيشه فى مواجهة مع شعبه.

■ بالمناسبة، ماذا تسمى ما نراه اليوم فى مصر من مظاهرات الشباب، ثورة أم انتفاضة؟

- هى مقدمات ثورة أو هى حالة ثورية، نعم فنحن أمام حالة ثورية تتطور وبسرعة إلى ثورة كاملة، ولكنها ثورة تواجه مخاطر فى الداخل والخارج، وكل المجتمع المدنى والوطنى وكل المجتمع الموجود لابد أن يساعد لكى لا يحدث صدام، لا ينبغى تحت أى ظرف من الظروف أن يأمر أحد بأن يحدث صدام بين شعب وجيش، ما بين البوليس والشعب أستطيع تفهمه، لكن النظام وصل لحالة عليه ألا يضع فيها القوات المسلحة فى وضع اختبار لضميرها ومهمتها الأساسية أو لشرعية وجودها، هذا حرام، ومن الممكن أن نصل لوضع خطير جداً إذا سرنا فى هذا الطريق.

■ قلت أمس إن النظام سقط، ماذا تعنى بالسقوط هنا؟

- النظام انتهى بكل المعايير وعندما تلجأ سلطة الحكم إلى طلب القوات المسلحة فهذا معناه أنها فى أزمة، وإذا أمرته بضرب الشعب فهذا يعنى أنها تعانى تقريباً حالة انتحار، لا أحد يقول لى شيئاً آخر.

■ كيف تفسر الموقف الأمريكى والغربى؟

- لابد أن نسلم بمسألة مهمة هى أهمية مصر لمحيطها، قد نكون تخلينا عن القيادة السياسية للمنطقة، لكن تاريخياً وجغرافياً أنت قلب المنطقة التى توجد بها مصالح حيوية للعالم وأنت مؤثر فيها، انظر لأسعار البترول التى وصلت بعد تلك الحالة الثورية إلى ١٠٠ دولار، كل أسواق المنطقة تنهار والعالم كله مرتبك، لماذا؟ لأنك قلب المنطقة التى له فيها مصالح حيوية، الأمر الآخر أنك بخياراتك السياسية أدخلت الغرب طرفاً معك، وأنت من فعل ذلك وليس الغرب من فرضه عليك، كنا نسير من قبل بسياسة مختلفة ولكن النظام الحالى اختار أن ينحاز للغرب، وتصور أن هناك نظاماً عالمياً جديداً، وأن أمريكا هى القوة والمستقبل فاختارها وجاء بها، هى لم تدخل عنوة ولا باختيار الشعب ولكن باختيار النظام ولذا أصبحوا طرفاً، أضف لهذا أن العالم متعولم ولا تستطيع أن تمنع قوة من أن تتدخل فى شؤونك، ولكن يظل حجم التدخل بحجم ما سمحت به أنت من البداية، وعندما شاهدت عناوين بعض الصحف منذ يومين تقول: «انتهى عهد الوصاية» تعجبت لأنك لا يمكن أن تنهى عهد الوصاية وأنت تقول إن عمادى فى الاقتصاد هو المعونة الأمريكية، فكيف تقول إن عهد الوصاية انتهى؟ المثل يقول: «إن من يحدد النغمة هو من يدفع أجر الزمار».

■ هل ستترك واشنطن مصر لحالة فوضى؟

- لا توجد فوضى إلا إذا فتحت أنت ثغرة ليحدث التدخل، لا يستطيع أحد أن يتدخل إلا من ثغرة لو فتحتها تكون المسؤول، وهنا أشير لنقطة مهمة جداً وهى أنه لا توجد أى قوة عظمى تستطيع أن تساعد نظاماً لم يعد قادراً على حماية نفسه، وعندما بدا للولايات المتحدة أنك غير قادر شعروا أن هذا سيؤثر على مصالحهم، وارتفعت النغمة وبدأت بتصريحات أوباما، الذى كان يلام لموقفه من مصر، حينما قال إنه أعطى إشارات للإصلاح، ثم صرحت كلينتون فى أثناء زيارتها للبحرين بالقول إن تلك نظم لم تعد تستطيع ومؤسسات باتت غير قادرة، وكل هذه إشارات واضحة تعبر عن قلق الولايات المتحدة على النظام، الغريب أن النظام لم يشعر بالقلق على نفسه. ثم أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تقطع المعونة، وهذا أول تدخل. فحينما يذكرك أحد أنه يستطيع أن يدفع ويستطيع أن يمنع، فأنت أمام طرف ضاغط. وبالمناسبة كنت أظن أن أى حرب إلكترونية ستعلن ضد مصر، ستكون من قبل إسرائيل لتشل كل شىء، ولكن يوم الجمعة الماضى كانت أول الخطط بعبقرية، لا أعلم من أين أتت، خطة التأمين الخاصة بعزل المتظاهرين عن كل وسائل الاتصال الإلكترونية، فعزلوا البلد بأكمله عن العالم. تخيل أنهم أرادوا أن يعزلوا مظاهرة فى ميدان التحرير، ويعزلوا الشباب عن الاتصال على الفيس بوك وتويتر والموبايلات، وتناسوا أنه لا يمكن أن تعزل أحدا فى هذا العالم. هل يعقل أن يشن النظم حربا إلكترونية على المصريين، ثم تقول إن عناصر اندست بين المتظاهرين؟ لا لم يندس أحد، أنت من اندس وجاء الاندساس منه.

■ أعربت مصادر غربية أن نظام الرئيس مبارك استنفد فرصه فى البقاء، ولكن ليس أمامهم بديل سواه للحفاظ على مصالحهم. ما تعليقك؟

- لا يوجد أحد بلا بديل وإلا انتهت الحياة، ولو لم يوجد بديل للرئيس مبارك فهذا الشعب يستحق أن يموت. الذى بلا بديل هو الشعب هذا ما أفهمه، الشعب يستطيع تغيير حاكمه ولكن لا يستطيع حاكم أن يغير شعبه. وإذا كانت السياسة المصرية على هوى مبارك فسوف تتأثر مصالح الغرب فى المنطقة، ولكن إذا كانت السياسة تمثل مصالح استراتيجية لهذا البلد فأنا أعتقد أن لا شىء يتغير. ممكن أن تعدل أو أن تكون هناك رؤى. ونحن لم نعد فى عالم يستقطبه معسكر شرقى وآخر غربى، نحن فى عالم تحكمه فكرة التقدم، يدعو للاتصال بكل دول العالم دون التحيز لجانب على حساب الآخر. وأى مصالح مشروعة مصانة وأى خيارات تعبر عن تاريخ البلد ومعتقداته لابد أن تكون مصانة.

■ كيف تتصور مصر فى حال رحيل الرئيس مبارك؟

- مع احترامى لشخصه، هناك نظم كثيرة رحلت وحكام كثيرون رحلوا ولم تتوقف الدنيا. محمد على، الملك فاروق، جمال عبدالناصر، والسادات كل هؤلاء رحلوا، وربنا يعطى الرئيس مبارك العمر، ولكن ما أود قوله إن اختفاء فرد لا يعنى نهاية الكون. بالعكس هذا رجل فى اعتقادى كان عليه إنهاء مهمته بعد فترة أو فترتين من الحكم. ولكن أن يصل الأمر أن نطلب منه بأدب جم ترك حديث التوريث، فيقول لنا إنه سيترشح بنفسه لفترة ولاية خامسة! كيف هذا؟ بعد ٣٠ عاماً ستخوض الانتخابات مرة أخرى كيف هذا؟ وإذا لم تكن استطعت تنفيذ ما أردته فى ٣٠ سنة فمتى ستنفذه؟ إذا لم تكن استطعت أن تنفذه وأنت فى سن الخمسين فكيف ستنفذه فى سن الثمانين أو التسعين؟ قصارى ما أدعيه لنفسى أن رجلاً فى نهاية عمره قد يستطيع أن يقول رأياً، لكن لو قلت إننى أستطيع القيام بما هو أكثر من إبداء رأى أكون مجنوناً. كان من الطبيعى أن تنتهى فترة ولايته من فترتين ونقول له شكراً ولكنه أطال بأكثر من اللازم. هذا الغضب الموجود اليوم ألا يدل على أنه كان هناك كبت مروع لدى الناس خرج عندما جاءت الفرصة المواتية؟ أرى فى المظاهرات وجوهاً كسرت حاجز الخوف. أنت ظللت تروع الناس من سيناريو الفوضى أو قهر الحكم. الشباب فى الأردن خرج فى مظاهرات ولم يعترضه أحد، فلماذا اعتبرها الرئيس هنا فى مصر معركة؟ ما المانع أن يقوم شبابك بالتعبير عن رأيه؟ شجعه وقل له إنك ترحب بالاستماع له طالما أنه يتعامل مع فكر التظاهر باستنارة ويحافظ على مؤسسات وكيان الدولة بلا تخريب. ودع البوليس يحرسه، ولكن أنت من بدأها حرباً منذ اللحظة الأولى فهل يعقل هذا؟

■ كيف ترى دور الإخوان المسلمين فى هذه التظاهرات؟

- باعتقادى أنهم كانوا موجودين ولكنهم لم يكونوا مؤثرين كانوا موجودون بالرمز فقط. قيمة ما حدث أن النظام ظل يروج لفكرة ارتباط التغيير بالفوضى أو الإخوان المسلمين، وثبت أن الناس خرجت فى الأيام الأولى وحتى هذه اللحظة من دون تأثيرات أيديولوجية، وأن الإخوان قد يكونون موجودين كطرف من الأطراف، ولكن لا يوجد ما يدعو للقلق منهم حتى هذه اللحظة. وإذا بدأت فى الضغط فى هذا الاتجاه ستدفع الناس من الوطنية للتعصب، وهذا هو الخوف. الإخوان المسلمين قالوا من البداية لن نشارك لأنهم تعلموا ألا يصطدموا بالسلطة، والنتيجة ظهور شباب جديد كسر حاجز الخوف ليس من الإخوان المسلمين، وهذا هو الشىء البديع. أنا واحد من الناس لم أكن أتصور أننى سأشاهده فى عمری، ولكننى رأيته، طيلة الوقت كنت أتحدث عن شباب الإنترنت والمعلومات والتقدم والعلم، ولكننى لم أكن أتصور أن شباب هذا الجيل سيكون فاعلاً بمثل هذه الطريقة وبهذه السرعة.

■ هل ترى أن الأحزاب والقوى السياسية سيكون لها دور فى الفترة المقبلة؟

- الأحزاب كلها منهكة ولكن النظام أنهك كل الناس، وبخاصة أن هذه الأحزاب لم تولد ولادة طبيعية بل جاءت كلها بولادة قيصرية، وبطلب. والنظام همشها بقسوة ولأنها ولدت فى أحضانه ظلت باقية ولكن بحالة من العجز البدنى أعاقها عن التواصل. بالإضافة إلى أن النظام ظن أن قوته فى تشجيع الانقسامات وممارسة الضغوط على جميع القوى حتى الإعلام، حدث هذا معكم فى «المصرى اليوم» ومع نماذج إعلامية مميزة مثل محمود سعد ومنى الشاذلى، رغم أنهم فى اعتقادى كانوا يؤدون خدمة هائلة للنظام لأنهم كانوا يخلقون هامشاً للحرية. حتى هذا الهامش لا يريده النظام. ومع تضييق صمام الأمان بالتدريج فى المجتمع، وصلنا لانتخابات مجلس الشعب الأخيرة حيث شعر النظام بعدها بأن الدنيا كلها دانت له وأن كل شىء انتهى، فلم يعد يدرك ما يفعله. من يصدق أن قوائم الانتخابات فى مجلس الشعب خرجت من الداخلية وليس من الحزب. لقد تصور النظام أن البقاء هو الهدف وهذا خطأ، لأن الخدمة العامة هى الهدف. المفروض أن الحزب والنظام أدوات للخدمة العامة ولكن إذا سخرت أدوات الخدمة العامة لتحقيق بقائى الأبدى فأنا ذاهب فى «داهية»، وبالعودة للأحزاب أعتقد أنها ليست فى حالة جيدة وثبت أن القوى الأخرى خارجها أقوى منها بل وأثبت الشباب أنه يمكن إنشاء أحزاب حقيقية تمثل شيئاً. هذا الشباب يمكن أن يمثل أقوى حزب فى هذا البلد.

■ يتهم البعض العادلى وزير الداخلية السابق باتهامين أولهما العنف مع المتظاهرين، وثانيهما الانسحاب الأمنى الذى روع المواطنين، كيف ترى كليهما؟

- أعتقد أن التعامل العنيف يحدث فى كل أنحاء العالم، ويجب أن يكون هناك حساب عليه. ولكن الانسحاب الأمنى لمدة ٤٨ ساعة تقريباً يعنى أن الجهاز الأمنى غاب بقرار وعاد بقرار، كيف يمكن لبلد فى مثل هذه الظروف التى نمر بها أن يسحب البوليس الخاص به؟ هذا موضوع لابد أن يجری به تحقيق سياسى. ولا أرى له تبريراً غير أن المقصود منه أن تسود حالة من الفوضى لكى يعود الناس فى اليوم التالى راكعين صاغرين يطلبون الأمن.

■ تزايد أعداد الشباب المتظاهر فى قلب ميدان التحرير حتى مليون، يدفعنا للتساؤل عن مدى قدرة الشباب فى مواصلة التظاهر؟

- قبل أن نسأل عن مدى قدرة الشباب على مواصلة التظاهر، علينا أن نتساءل عن مدى قدرة البلد ذاته لتحمل ذلك. نحن أمام تحديات عديدة. بنوك مغلقة ورواتب متوقفة، ومخزون طعام غير كاف طيلة الوقت. النظام يدفع البلد بهذا العناد لموقف لا يحتمل ونتيجة شديدة الخطورة، لأن معناه الوصول بالبلد لفوضى مدمرة وهذا ليس من حق أحد.

■ هل يقصد النظام تلك الحالة؟

- ذلك الموقف إما عن قصد وإما عن جهالة وكلاهما كارثى.

■ هل سيلجأ النظام لسياسة الترويع والتجويع؟

- لن يصلح لأن على مدار الثلاثين سنة الماضية حدث فيها نمو أوتوماتيكى يكون فيه بقاؤك مرهوناً بعمل بعض الأشياء. هناك أشياء جيدة حدثت ولكنها أقل بكثير من التى كان من الممكن حدوثها فى ٣٠ سنة، أنظر ماذا فعلت الصين وتركيا والنمور الآسيوية فى نفس الفترة وتكلم. أما ما فعلناه نحن فهو بقوة الأشياء وليس بكفاءة أو نزاهة إدارة، تم بقوة هذا الشعب الخلاقة وحيويته ولكن لا نستطيع أن نقارن أنفسنا بغيرنا، يتحدثون عن نسبة نمو ٤.٥٪ والصين بلغت ١٢٪ وتركيا ٨٪.

■ ما مدى مساهمة جمال مبارك فى المشهد الحالى؟

- لا أريد الحديث عن جمال مبارك ولكن أخشى القول إن المجموعة التى كانت فى الحكم نظرت لمصالحها ولم تنظر لكونها تؤدى خدمة عامة. رغم أنه كان منهم شخصيات تمتاز بالكفاءة ومنهم وزير المالية يوسف بطرس غالى، ووزير التجارة والصناعة رشيد محمد رشيد. ولكن كانت هناك شخصيات هى السبب فى المشهد الحالى ومنهم أحمد عز على سبيل المثال. أليس هو سبب بعض دواعى الانفجار اليوم؟ أليس هو من نفذ الانتخابات وظهر مسروراً ومنشرحاً؟ لقد كتبوا يقولون بعد الانتخابات إن تلك النتائج تعبر عن العلاقة القوية التى تربط بين الشعب والحزب الوطنى. وفى المظاهرات الأخيرة وجدنا أن غالبية الهجمات، والتى جاءت كردة فعل ولم يبدأ أحد بشىء، كانت موجهة ضد الحزب الوطنى وتلته فى الدرجة الثانية أقسام الشرطة لأنها استعملت القمع من غير لزوم. وكنت أتصور أن يأتى خطاب الرئيس ليخفف عن المصريين، ولكنه قال إنه سوف نواصل. نواصل ماذا؟

■ هل للمجتمع المدنى دور فيما يحدث فى مصر اليوم؟

- من نزل المظاهرات بهذه الكفاءة هو المجتمع المدنى، ومن نزل بتلك الصلة مع العصر وأصحابه هو المجتمع المدنى وشبابه، ومن الأمور التى ظهرت فى الأيام الماضية أن الشباب أقوى من الثورة والنظام عشرات المرات. شاهدت ورأيت أفرادا يتحدثون منهم وأذهلنى أسلوب تفكيرهم ومنطقهم ورزانتهم، وهم أفضل من جيلى مائة مرة لأنهم يعيشون زمانهم، أما نحن عندما ظهرنا كنا نحاول أن نلحق بزماننا، لكن هؤلاء لا يلاحقون بل يسيرون الزمن ويسيروا معه خطوة خطوة، هؤلاء سايروا الزمن وعاصروه وشاركوا فيه.

■ ما تعليقك على تصريحات نتنياهو بأن على إسرائيل تحمل المسؤولية كاملة تجه ما يحدث فى مصر؟

- هذا يقودنى لمشهد ألح عليه باستمرار وحدث يوم ٩ نوفمبر ١٩٧٣ حينما دخل «كيسنجر» على الرئيس السادات وقال له إن كل المسائل يمكن حلها ولكن هناك مشكلة لدى إسرائيل، وهى أن ما حدث لهم فى الأسبوع الأول من أكتوبر ١٩٧٣ لا ينبغى أن يتكرر لأنهم شاهدوا نهاية الهيكل الثالث. وعندما يقول نتنياهو مثل هذا التصريح فإنه يشير لتعهدات وأشياء نحن لا نعرف عنها شيئاً.

■ هل يمكن أن يتكرر السيناريو القيرغيزى فى مصر حينما أمر الرئيس بتوجيه نيران جيشه للمتظاهرين؟

- لا يمكن بالطبع أن يحدث هذا فى مصر، إذا حدث فى هذا البلد أى خطر على وجوده فإن المنطقة كلها لا تستطيع تحمل فوضى تجرى فى مصر واللهفة الغربية عموما لا تعبر إلا عن قلق على هذا البلد الذى يقع فى قلب العالم.

■ لو كنت مكان مبارك ماذا كنت ستفعل؟

- أولا أعلن أن دورى فى أداء الخدمة العامة بحكم السن انتهى، ثانياً أننى أعتقد أن الأمور يجب أن تؤول لجيل جديد مختلف، وثالثاً أن هناك مؤسسات أتت بأخطاء وسوف أزيحها مثل مجلس الشعب ولجنة السياسات، وهناك مسؤولون يجب أن يبعدوا ثم إنه لابد أن يعد نفسه لخطوة لا مفر منها بعد ذلك مؤداها أن الزمن انتهى بالنسبة له.

■ هل سيرضى ذلك الشارع؟

- الشارع سيرضى عن أى إشارة جادة وأنا لا أتكلم بلسان الشارع، ولكن من مقعد المراقب. أنظر لحالة الغضب المكبوت أكثر من اللازم لأنه قرص من ذات الجحر عشرات المرات وبات غضبه نوعاً من النقمة وهو ما يخيفنى. ويتوقف مدى هذه النقمة وآثارها على أسلوب علاجك لها.

■ ألا يمكن أن ينقلب الشارع على المتظاهرين؟

- الشارع ينقلب على طرف تسبب فى كارثة، ولكن كيف يمكن أن ينقلب الشارع على ضحية مثله تماماً؟ والأمور كلها مقفولة حتى حظر التجول بدلاً من تخفيفه تزيد منه. ولا يمكن أن نفصل بين الشعب والمتظاهرين.

■ من له النفس الأطول النظام أم الثائرون؟

- إذا فكرنا بتلك الطريقة سندخل فى المجهول ولا أريد إنهاكاً لطرف على حساب آخر.

■ هل هناك فرصة للخروج الآمن للنظام اليوم؟

- أى خروج سيكون آمنا. ولا أعتقد أن هذا الرجل ينبغى أن يتعرض لأى شىء يمس كرامته. فهذا الرجل ظل لمدة ٣٠ سنة يؤدى له الجيش السلام وينبغي أن يعامل باحترام بصرف النظر عما فعل. وكنت أتمنى أن يقولها هو بنفسه وبأن الموضوع قد انتهى وأنه باق لترتيب انتقالى ومازلت آمل ألا يسبب فراغاً سياسياً.

■ ما رأيك فيما أعلنه البرادعى من أنه حصل على تفويض شعبى لتشكيل حكومة انتقالية؟

- مع تقديرى للدكتور البرادعى فإنى أتمنى أن يدرك أن الساحة موجودة والغليان كذلك منذ فترة، والموقف أكبر من أى رجل أو طرف أو جماعة ولا أتمنى أن يتورط البرادعى أو غيره فى أى دور حتى تكون للناس حرية الاختيار. ولا أريد أن يستغل أحد تلك الأزمة لأنها مسؤولية على عاتق الجميع وليست فرصة لأحد.
المقال الثانى بتاريخ 3 / 2 / 2011
الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل يكتب عن «أحداث ٢ فبراير»: ميزان المستقبل أصبح فى يد الجيش.. واستمرارية النظام لا تحدث بحرب استنزاف على الشعب

٣/ ٢/ ٢٠١١
هناك الآن على الساحة المصرية حقائق كبرى تستولى على الأفكار والاهتمامات والشواغل، وهذه الحقائق الكبرى هى الآن صانعة الأحداث والأخبار والمشاهد والصور، وفوق ذلك فهى كاتبة التاريخ الحى الذى يجرى أمامنا وأمام الأمة وأمام العالم.

١- أولى الحقائق الكبرى أن الشعب المصرى خلال هذا الأسبوع أكمل عبوره إلى العصر العالمى الجديد للشعوب الحية والحرة والقادرة على الإمساك بمصائرها، لا تتركه للقياصرة أو السلاطين أو الطغاة، وبهذا فإن ثورة الشباب تكون على وشك استكمال مسيرة طويلة للشعب المصرى وتتويجها.

- تكون قد أكملت حركة «عرابى» ١٨٨١، التى كانت أول تمرد وطنى على السيطرة.

- وتكون قد أكملت ثورة ١٩١٩، التى خرج فيها الشعب وتصدرتها طبقة كبار مُلاك الأرض يطلبون جلاء القوات البريطانية بالمفاوضات، ويطالبون بدستور قبلوه حتى منحة من الملك، آملين فى تطويره بالحوار مع القصر والإنجليز.

- وتكون قد أكملت ثورة سنة ١٩٥٢، التى كانت ثورة قامت بها طلائع من الجيش المصرى، أحاطت بها وساندتها جماهير شعبه، وخاضت معها تجربة ضخمة فى مصر، وفى محيطها وفى عالمها، لكنها لم تستطع تحقيق ديمقراطية كل الشعب بصرف النظر عن الأسباب.

- ثم يكون شباب ٢٠١١ أخيراً قد جاؤوا بشحنة تحتوى كل ما سبقها، وتتجاوزه، لأنه لم يعد تمرد ضباط «عرابى»، أو قيادة كبار ملاك يتفاوضون، أو ثورة طلائع من الجيش ساندتها جماهير الشعب، لكن ظروفها عاقتها عند ثلاثة أرباع الطريق.

- فهذه المرة خرج الشعب كله بجمعه، بأجياله، وبطبقاته، وبطوائفه، بل بالصبا فيه والطفولة، ملايين بعد ملايين، وكذلك فهى لأول مرة فى التاريخ الحديث خروج كامل، وبالثورة الكاملة، وللشعب المصرى بكامله.

وهذه هى القيمة العُظمى لهذه اللحظة

٢- الحقيقة الثانية أن القوات المسلحة المصرية هى موطن القدرة فى فكرة الدولة وأساسها، وليست مجرد أداة تحت سلطة أى نظام يظهر على الساحة، وقد دُفعت القوات المسلحة إلى ميادين الخروج بحقائق الأشياء ذاتها وطبائع الأحوال ذاتها، وهى الآن فى الشارع حكماً فاصلاً بين الشعب أصل الشرعية ومصدرها، وبين سلطة لم تعد تملك إلا ما تقدر عليه من أدوات الإجبار، وليس مقومات الشرعية.

وبذلك فإن القوات المسلحة تجد نفسها فى موقع شديد الحساسية.

من ناحية فهى حامى الشرعية فى البلد.

ومن ناحية أخرى، فإن الشرعية فى هذا المنعطف التاريخى لم تعد فى موقع الحكم، لأن الشعب بملايينه نزع عن الحكم مقومات شرعيته.

والمأزق أن جماهير الملايين التى أمسكت بالشرعية فى يدها، لم تجد حتى هذه اللحظة تعبيراً سياسياً عنها، يستطيع أن يتحدث من موضع ثقة.

وفى المقابل، فإن القوات المسلحة نفسها فى هذه اللحظة تبدو حائرة بين سلطة لم تعد تملك شرعية إصدار أمر إليها على جانب، وعلى جانب آخر، مواقع ومواطن للشرعية ليست لها حتى هذه اللحظة سلطة سياسية تعبر عنها وتستطيع إصدار قرار واضح المعالم، وواجب التنفيذ على القوات المسلحة.

والعقدة أن القوات المسلحة كانت أكثر من اتصل مباشرة بشرعية الملايين، ثم إن القوات المسلحة بظاهر الشكل تتلقى الأمر من الحكم وتلك ليست عقدة سياسة، ولكنها قضية وطن بأسره: ضميره ومصيره!!

٣- والحقيقة الثالثة أن الرئيس «حسنى مبارك» كان فى مقدوره هذه اللحظة - لو تخلى عن العناد - أن يخفف المأزق عن الجميع، لكنه بدلاً من ذلك وضع الجميع، وهو أولهم، فى مأزق أشد استحكاماً وأكثر خطورة.

فقد أعلن إصراره على البقاء على نهاية ما يسميه ولايته (وكنت أفضل أن يستعمل كلمة رئاسته، لأن الولاية معنى مستعار من أزمنة انتهت من قرون)، قال بذلك فى نفس اللحظة التى كانت جماهير الملايين قد أطاحت بشرعية هذه الولاية كما وصفها، فذلك الرفض القاطع الجامع من الناس أصاب الولاية قبل أن يصيب الرئاسة!!

ولو أن الرئيس مضى إلى أبعد ولم يتأخر كثيراً كالعادة، وأعلن حل برلمان يعرف قبل غيره أنه لا يمثل أحداً حتى بنسبة حضور من شاركوا فى انتخابه، ثم إنه يعرف أكثر من غيره من انتقى الأعضاء هنا وهناك، ومن قام بتعليبهم فى الصناديق، ومن أعلن النتائج، ومن احتفى بها - لكانت هناك بارقة أمل.

لكنه ترك مثل هذا المجلس وصلة ما بين رئيس أعلن أنه لن يرشح نفسه، ورئيس جديد أعلن أنه سوف ينقل إليه السلطة سلمياً - وبذلك فقد مد جسراً فى الانتقال لا يمكن أن تمشى عليه حركة سليمة أو مأمونة أو نافعة!!

وأكثر من ذلك فإن الرئيس الذى اعترف بأن مجلس الشعب الذى صنعه وزير الداخلية السابق، والأمين العام للحزب الوطنى السابق، والمطعون فى صحة نسبة للشعب فى السابق واللاحق - ترك هذا المجلس حكماً على تعديل الدستور - على حد ما وصف - وحكماً على المرحلة الباقية من ولايته «كما حددها»، وحكماً على خلفه فى الرئاسة الذى تعهد بأن يسلمه السلطة سلمياً «كما قال» - ثم تحفظ بأن أوصى بالنظر جدياً فى الطعون أمام القضاء ببطلان من تصح فى شأنهم الطعون «وهم كل المجلس تقريباً، لأن ما جرى كان عملية تزوير لا تصح معها حصانة أو بقاء أو مشروعية من أى درجة».

فضلاً عن ذلك فإن قمة السلطة نفسها لم تعد لها - فضلاً عن الشرعية - مهابة قول، أو حرمة قرار، أو نفاذ أمر، ولم يبق لها بعد الآن غير عنف تحاول به إخلاء الأرض أمامها وغسلها ولو بحمام دم لا تدفع هى تكاليفه، معتمدة على احتكار السلاح.

٤- والحقيقة الرابعة أن الموقف كان يحتاج إلى قوى سياسية ناضجة تستطيع أن تمد جسراً يملأ الفراغ بين الشرعية والسلطة، لكن الأحزاب المعترف بها ونحن المعترف بها لا تبدو قادرة، ولعله كان من المبالغة انتظار دور فاعل منها، فالأحزاب السياسية فى مصر ذبلت من زمان بعيد، ولو كانت هذه الأحزاب قادرة، لما كانت هناك حاجة إلى ثورة ٢٣ يوليو أساساً، فقد عجزت هذه الأحزاب لأسباب يطول شرحها عن إزاحة الاحتلال البريطانى، كما عجزت عن وقف الفساد الملكى، والحقيقة أن أكبر هذه الأحزاب وأجدرها بأن يسمى حزباً أضاع قوته فى معاهدة سنة ١٩٣٦، وأضاع شرعيته يوم ٤ فبراير، وفيما بعد ذلك فإن الأحزاب السياسية لم تواتها الفرصة أو لم تواتها الشجاعة لإثبات وجودها وفاعليتها، وظلت على حافة بقايا نظام ٢٣ يوليو، وعلى هامشه، وحين عادت إلى تواجدها، فإنها جاءت بقرار من الرئيس «السادات»، ووفق حدود لم تستطع تجاوزها.

ومع سيطرة قوى النظام - أو ما بقى منه بعد احتقان سنة ١٩٨١ واغتيال رأس السلطة - فإن الأمن فرض مطالبه، ومحصلتها أن الحياة السياسية راحت تجف يوماً بعد يوم، وفى فراغ السياسة ظهرت عوالق وطحالب لا تشير إلى خصوبة، بقدر ما تشير إلى ركود وعفن، فالسياسة فى معناها الحقيقى حوار أفكار ومبادئ وبرامج وتيارات موصولة بجماهيرها وأمتها وعالمها.

٥- والحقيقة الخامسة أن العالم كله القريب فيه والبعيد، والصديق فيه والغريب، أصبح طرفاً موجوداً فى الأزمة، مطلاً عليها ومؤثراً فيها.

وضمن المأزق أنه لم يعد فى مقدور أحد هنا أن يواجه هذا العالم أو يخاطبه من موقع شرعية تترتب عليها أحقية.

فهذا العالم يرى أمامه سلطة لم تعد تملك أهلية تمثيل الوطن، كما أن هذا العالم يرى شرعية جديدة فى مصر، ويتابع مبهوراً حركة شباب هذا الوطن، لكنه لا يعرف شيئاً عن هذا الشباب، فهذا الشباب مشغول بما هو فيه، ومستغرق فى عملية استكمال مهمته التى أخذها على عاتقه، وقد ناداه إليها قلق على أحوال وطن، دعا شبابه لنصرته فى وقت تراجع أخاف كل القوى الوطنية المصرية وعوقها حتى حدث ما حدث، وقد راحت كلها تهرول وراء الشباب تؤيده وتناصره.

لكن المشكلة أن العالم يريد أن يسمع صوت الحقيقة من مصر، فهو يرى حركتها، ويسمع صوتها، لكنه حتى هذه اللحظة لم يستطع أن يترجم ما تقوله، وهو مع الحقيقة فى شرعية ما تمثله، ومشروعية ما تطالب به، لكنه يريد أن يفهم أكثر لكى يعرف على الأقل كيف يتعامل معها.

٦ - والحقيقة السادسة أن هناك بوادر انقضاض على الحق البازغ فى مصر، فهناك - ومن الطبيعى أن يكون هناك هجوم مضاد للثورة - فعلى الأرض وأمام الشباب قوى لها مطالبها، وهناك مصالح لديها ماتريده، وهناك خطايا لا يصح أن تنكشف، وتلك كلها دواع تشد كثيرين إلى حلف غير مقدس، يريد أن يقمع حلما مقدسا تتبدى ملامحه.

إن عناصر من الحزب الوطنى قامت منذ عدة سنوات بدراسة للمهارات التى اكتسبتها بعض الأحزاب فى العالم، وقامت عناصر منها بالتحديد بزيارات ممتدة، وكثيرا ما سمعت ولم أصدق أن اهتمام رُسُل الحزب الوطنى ومبعوثيه كان بالخطط السرية للأحزب التى زاروها وبتحضيراتها لمواجهة الخصوم، سواء كانت هذه الأحزاب فى السلطة أو فى المعارضة، أى أن اهتمامهم كان أكثر بأساليب الفعل المضاد، أكثر من اهتمامهم بأساليب الفعل.

وبعض ما يجرى الآن يشير إلى أن ماتعلموه هناك هو الآن موضوع ممارسة تزيد عليها جهالات الادعاء (بما فيها استخدام الأحصنة والجمال)!!

لكن المعضلة أن ذلك كله لن يجدى، وحتى إذا نجحت مخططات هذا الحلف غير المقدس، فسوف ينشأ فى مصر وضع غير مقنع لأحد: لا فى الداخل ولا فى الخارج، لأنه ببساطة لا يملك شرعية البقاء أو الاستمرار، أو حتى كفاءة الإدارة لإنجاز كل هذه المطالب- من البقاء، إلى الاستمرار، إلى الكفاءة - لأن هذه كلها لا تحدث بحرب استنزاف على شعب، تمارس بالقمع والكبت، وبالتمويه والخداع.

وحتى إذا نجح الانقضاض هنا، فإنه لن ينجح أو على الأقل لن يقنع هناك، وهذا وضع لا يستطيع أن يتحمله بلد فى هذه اللحظة من تطوره، ولا حتى من أمنه القومى بالمعنى الحقيقى للأمن القومى، وهو قوة وقدرة وعصرية شعب له دولة، ومن حوله أمة، وهو فى وسط عالم زاخر يموج بتدافع قوى الحرية والعدل والتقدم.

٧ - والحقيقة السابعة وهى تبدو أمامى - على الأقل - واضحة وجلية- أن ميزان المستقبل أصبح فى يد القوات المسلحة، فهذه القوات- وهى رمز السيادة وأداتها - أمامها الآن مسؤوليات عظمى ليس هناك غيرها من يقوم بها، وأستطيع تصورها خطوة بعد خطوة:

- الخطوة الأولى: تأكيد ماأعلنته من اللحظة الأولى من أنها تتفهم مشروعية مطالب القوى الوطنية والشباب طليعتها.

- والخطوة الثانية: ضمان فترة انتقال تفتح الطريق لوضع جديد يحكمه عقد اجتماعى متحضر يمهد لدستور، لا يكتبه محترف التلفيق والتزوير ولكن قانون، تصدره إرادة شعب حر، وبعدها يجىء دور الصياغة، مع خبراء التشريع والقانون.

- ومع ضمان القوات المسلحة فإنه من الضرورى أن يكون هناك محفل وطنى جامع من عقلاء الأمة، يحملون أمانة مشروعها، بحيث يعكس هذا المحفل- ليس فقط روح شباب ٢٠١١- لكن وجوده المباشر أيضا، وربما كان التأمين الأكبر للمحفل الوطنى الجامع لأمناء الوطن هو أن يتكون من عناصر كلها تحت سن معين - خالص من «كراكيب» الماضى (وأعتبر نفسى بينهم)- حتى يتخفف المستقبل من حمولاتها وأثقالها، وحتى يكون هؤلاء الأمناء على الوطن أقدر على فهم زمان عالمى جديد، عليه أن يتفاهم معه ويتعامل مع قواه، مبرأ من عقد وتعقيدات ترسبت من مراحل انتهى وقتها الأصلى، وانتهى وقتها الإضافى، وانتهى وقتها الضائع!!

■ ■ ■

أردت أن أقول كلمات سريعة فى موقف لا يتحمل التلكؤ والتربص، ولا الميوعة والغموض، فى انتظار الثغرات والشقوق، تلاعبا بالمقادير وعدواناً على المصائر!!

وإذا كان فى مقدور ماتبقى من النظام أن يستدعى فلوله فإن من حق الشعب أن ينادى جيشه، حفاظا على شرعية الملايين من البشر وليس جموع الأحصنة والجمال!.




avatar
Admin
Admin

المساهمات : 830
تاريخ التسجيل : 07/01/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alaa-hamdy.ibda3.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الجيش والشعب

مُساهمة  Admin في الخميس 3 فبراير 2011 - 12:32

تحياتى لاستاذ الاجيال هل الموجودين بميدان التحرير هم الشعب كله ؟؟؟ إننى من ضمن الكئيرون اللذين يعلمون بما كان يحدث من فساد (بمعناه وأشخاصه)كما أنه بحكم عملى كمحام أعلم ما كان يحدث من الشرطة ، وحتى الموظفين الحكوميين - للمواطنين العاديين ، فقد كان الكثير...وأقول الكثير... من ضباط الشرطة يعتقدون أنهم في مصاف الالهة , وان في يدهم كل شئ و و و و ولكن بعد 25 يناير تغير كل شئ بالكامل أما بالنسبة للموجودين بميدان التحرير - قليلى الاعداد بالنسبة للشعب باكمله والمسيطر عليهم من قبل حزب معين أو السيد البرادعى - فأننى أعتبرهم فى رأيى الشخصى أنهم يريدون تخريب مصر وحجتهم في ذلك أنهم لا يثقون بالرئيس أو وعوده - أنني معهم في ذلك ولكن هذا كان قبل 25 يناير وليس الآن . أما السيد / البرادعى (رئيس الجمهورية المنتظر مثلما يعتقد هو )فهو يقول ايضا انه لا يثق بوعود الحكومة فهى تعد منذ 30 سنة ولا تنفذ. سؤالى اليه ... هل كنت موجوداً بمصرنا الحبيبة طوال هذه الفترة . وهل تذوقت مرارة وعود الحكومة وعدم تنفيذها لتلك الوعود ... وهل ... وهل ... ونصيحة منى ... للذين يريدون التحاور مع الموجودين بميدان التحرير ... لا تتحاوروا معهم لانهم لا يريدون التحاور ، بل يريدون إهانة و... البلد .
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 830
تاريخ التسجيل : 07/01/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alaa-hamdy.ibda3.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى